عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
108
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الأرواح علويها وسفليها إلا وقد حصلها في روح الإنسان بتدبير العزيز الحكيم ، ثم جمع بينهما ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور . فبعزته بعّد المقرب للابتلاء وبمغفرته قرّب المبعد للاصطفاء والاجتباء . ثم اعلم أن الروح حين تعلقه من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين القالب فسر بنفخة الحق تعالى حيث ما بلغ من منازله اجتذب منه خاصية أودعت فيه ، وحل فيه من نوره وصفائه ولطافته بحسب ما اجتذب من ظلمة ذلك المنزل وكدورته وكثافته ، فاحتجب الروح بما اجتذب من كل منزل من منازل الروحانيات والجسمانيات ، إلى أن تعلق بقالب الإنسان فصار محجوبا عن الحضرة محبوسا في أسفل سافلين القالب ، إلى أن يخلص اللّه تعالى روح من يشاء من عباده ، بجذبة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] كما سنبينه إن شاء اللّه وحده . الفصل الثاني في رجوع الروح إلى الحضرة قال اللّه تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : 27 - 30 ] . اعلم أن اللّه تعالى لما أراد أن يجعل في الأرض خليفة لذاته وصفاته ، خلق له روحا في أحسن تقويم ثم رده إلى أسفل سافلين القالب وحجبه بحجب النورانيات الروحانيات وحجب الظلمات الجسمانيات وهما عالما الغيب والشهادة ، وعدد الحجب ما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة » « 1 » فالحجب النورانية من عوالم الغيب الروحانية والحجب الظلمانية من عوالم الشهادة الجسمانية وأعطى الخليفة بحسب تلك العوالم مدركات روحانية وجسمانية يدرك بها العوالم المختلفة كلها ليكون بخلافته عالم الغيب والشهادة ، وذلك حين يتخلص من حبس القالب ويرجع إلى ربه بجذبات عنايته وأن اللّه تعالى سماه روحا عند نفخه في القالب فقال : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] وسماه نفسا عند رجوعه إلى الحضرة فقال : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) [ الفجر : 27 ] أو أراد بالنفس هنا ذاته وحقيقة وجوده . كما قال تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] أي في ذاتك فإن النفس للإنسان
--> ( 1 ) رواه أبو يعلى في مسنده عن سهل بن سعد بلفظ : « دون اللّه سبعون ألف حجاب نور وظلمة وما تسمع نفس شيئا من حس تلك الحجب إلا زهقت نفسها » حديث رقم ( 7525 ) ( ج 13 ص 520 ) ورواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 5802 ) ( ج 6 ص 148 ) ورواه غيرهما .